هاشتاق عربي أ.د. أحمد غندور القرعان عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، يذهب التفكير مباشرة إلى النماذج والتطبيقات والشركات الناشئة. نتحدث عن ChatGPT والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والرقائق. لكن هناك طبقة أقل ظهوراً وأكثر أهمية. إنها شبكة الاتصالات التي تحمل كل ذلك.
لهذا أعتقد أن أحد أهم التحولات التي يجب أن نراقبها في السنوات المقبلة هو تغير تعريف شركة الاتصالات نفسها.
شركة الاتصالات لم تعد مجرد شركة تبيع دقائق الاتصال وحزم الإنترنت. وهي في طريقها لأن تصبح جزءاً من البنية التحتية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
ما حدث في الإمارات خلال أغسطس 2026 يقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول.
جددت هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية في الإمارات تدرا رخصتي الاتصالات العامة لشركتي e& وdu لمدة عشرين عاماً، من 9 أغسطس 2026 وحتى 8 أغسطس 2046. قد يبدو الخبر للوهلة الأولى قراراً تنظيمياً يتعلق بتمديد رخصتي شركتين. لكن قراءة ما وراء القرار تكشف عن تصور مختلف لمستقبل قطاع الاتصالات.
من ريادة الاتصال إلى ريادة الذكاء الهيئة نفسها وصفت المرحلة الجديدة بأنها انتقال من ريادة الاتصال إلى ريادة الذكاء .
هذه العبارة تستحق التوقف عندها.
فالهدف لم يعد أن تكون الشبكة أسرع فقط. المطلوب أن تصبح أكثر ذكاء وقدرة على إدارة نفسها ودعم اقتصاد يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتتوقع الهيئة انتقال القطاع تدريجياً من الشبكات المتصلة إلى شبكات ذكية ذاتية التشغيل يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من ذكاء الشبكة نفسها.
هنا يتغير معنى البنية التحتية الرقمية.
في النموذج التقليدي كانت شبكة الاتصالات تنقل البيانات من نقطة إلى أخرى. وفي النموذج الجديد تصبح الشبكة نفسها منصة للحوسبة والذكاء والتحليل واتخاذ القرارات.
هذا التحول لم يبدأ من فراغ.
وصل انتشار الألياف الضوئية للمنازل في الإمارات إلى 99.7 في المئة، وحافظت الدولة وفق تدرا على المركز الأول عالمياً للعام العاشر على التوالي. وفي الوقت نفسه تستهدف استراتيجية الاقتصاد الرقمي مضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي من 9.7 في المئة عام 2022 إلى 19.4 في المئة خلال عشر سنوات.
وهنا تظهر العلاقة التي تغيب أحياناً عن نقاشنا العربي حول الذكاء الاصطناعي.
لا يوجد اقتصاد ذكاء اصطناعي من دون بنية تحتية رقمية قادرة على تشغيله.
يمكن للدولة أن تطلق استراتيجية للذكاء الاصطناعي. ويمكن للجامعات أن تدرّس الذكاء الاصطناعي. ويمكن للحكومات أن تمول الشركات الناشئة. لكن عندما تبدأ التطبيقات بالعمل على نطاق واسع ستحتاج إلى مراكز بيانات وحوسبة سحابية وشبكات ألياف ضوئية واتصالات دولية و5G ثم 6G وحوسبة طرفية Edge Computing وأمن سيبراني وقدرة عالية على استمرارية الخدمات.
الذكاء الاصطناعي في النهاية يحتاج إلى بنية مادية تعمل في الخلفية. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على شركات الاتصالات العربية لم يعد فقط كم تبلغ سرعة الإنترنت؟
السؤال الأهم أصبح ماذا يمكن أن نبني فوق هذه الشبكة؟
وهذا فرق كبير.
عندما تصبح السيارات ذاتية القيادة والمصانع الذكية والروبوتات والرعاية الصحية الرقمية والمدن الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من الاقتصاد، لن يكون تأخر الشبكة مجرد مشكلة في مشاهدة فيديو أو تحميل ملف. سيصبح مشكلة اقتصادية وتشغيلية وأمنية.
لذلك تكتسب المرونة Resilience معنى جديداً أيضاً.
فالشبكات التي تحمل اقتصاداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يجب ألا تعتمد على نقاط فشل منفردة. ويجب أن تملك مسارات بديلة واتصالاً دولياً آمناً وقدرات للتعافي من الكوارث واستمرارية للخدمات.
نحن هنا ننتقل من مفهوم خدمة الاتصالات إلى مفهوم البنية التحتية للاقتصاد .